هل المغرب مدعو إلى إعلان حالة الاستثناء؟

مع حل الحكومة والبرلمان وتنظيم انتخابات تشريعية في أفق 2025

برلمان نيوز: عبد المجيد الحمداوي

شكل الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب محطة أساسية لاستحضار رمزية المناسبتين تاريخيا وحضاريا لأمة شامخة على مدى قرون خلت، وأيضا لتوجيه الدولة ومؤسساتها الدستورية والتنفيذية والتشريعية بالنصح والاقتراحات والحلول من أجل تخطي الصعوبات والعراقيل وتجاوز إكراهات التنمية.
    
منذ تعيين حكومة عزيز أخنوش المشكلة من ثلاث أحزاب (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة والاستقلال)، هل التساؤل حول دعوة ملك البلاد إلى الإعلان عن حالة الاستثناء، قائما اليوم باعتباره دستوريا رئيس الدولة، لإنقاذ البلاد والعباد من السكتة القلبية الذي سبق أن تحدث عنها الملك الراحل الحسن الثاني من منصة البرلمان قبل حكومة التناوب، والتي كانت الوضعية في ذلك الوقت تحتاج إلى تدبير حكومي جديد.

 وحالة الاستثناء، ليس بأمر جديد على المغرب، بل دائما حاضرة في جميع دساتير المملكة المغربية والتي كان آخرها دستور 2011 الذي نص على ذلك في الفصل 59 المقابل للفصل 35 من الدساتير المغربية الأخرى.

ملك البلاد الذي خاطب الشعب المغربي بمناسبة عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب،  بنبرة قوية وحادة، دعا فيهما وبصريح العبارة إلى إعادة النظر في مؤسسات الحكامة لتسريع التنمية، وذلك من بوابة إصلاح منظومة الاستثمار بصفة عامة وفي شقه الأجنبي بصفة خاصة، محذرا كل من سولت له نفسه عرقلة الاستثمار لتحقيق المصالح الشخصية. وهذه إشارة لا تقبل الجدل، موجهة على وجه الخصوص لكل من يهمه الأمر من حكومة وبرلمان.

المطالبة بحالة الاستثناء، ليس بمزايدة على عمل المؤسستين التنفيذية والتشريعية، بل مطلب ملح يفرض نفسه بإلحاح لمراجعة ما يمكن مراجعته بشكل عقلاني وإصلاح وتقويم ما يمكن إصلاحه وتقويمه على أسس حكامة حكيمة.

   النقاش الحاسم على مستوى خبراء مختصين اقتصاديين وقانونيين وسياسيين، الرامي إلى الاعلان عن حالة استثناء أو كما تسمى في دساتير الدول الغربية بحالة الطوارئ، استند على مؤشرات هامة تدق في الوقت الراهن ناقوس الخطر.

 ناهيك عن ارتفاع نسبة التضخم إلى 7.7 %، يعلم الجميع أن متوسط النمو الاقتصادي لبلادنا، كان بين عامي 2010 و 2020 في حدود 3.3 % فقط، علما أن معدل النمو الاقتصادي هو المؤشر القوي الذي يعكس أكثر من أي شيء آخر، حالة سوق الاستثمار الخاص، الذي تحدث عنه جلالة الملك مؤخرا بإسهاب. أضف إلى ذلك، أن معدل نمو الاستثمار الخاص لم يتجاوز 10 %، بين 2009 و 2019، بل سجل نموا سلبيا خلال الأعوام 2013 و 2014 و 2017. وعلى الرغم من التحسن المفترض على مستوى مؤشر مناخ الأعمال، ظل سوق الاستثمار الخاص يفتقر إلى الديناميكية التي تتناسب مع التحسن.

أيضا، فما جاء في خطاب العرش من إشارات قوية حول عرقلة الاستثمار الأجنبي، لا يمكن تفسيره إلا بتراجع المغرب في مؤشر إدراك الفساد لسنة 2021 الذي تنشره كل عام منظمة “ترانسبرانسي”، حيث احتل المركز 87 عالميا من أصل 180 دولة شملها التصنيف.

ومن العوامل الأخرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، التي تدعو فعلا إلى القلق، وقد تشكل سببا كافيا  للتأشير على دخول المغرب في حالة استثنائية، لمعالجة المشاكل الطارئة و الاستعجالية بعيدا عن صراعات الأحزاب السياسية، نجد في مقدمتها ارتفاع نسبة الفقر، وما يؤكد على ذلك استفادة أكثر من خمس ملايين من المغاربة من صندوق تدبير جائحة كورونا  وأيضا ارتفاع نسبة البطالة خصوصا في صفوف الشباب إلى مليون ونصف مليون شاب عاطل. زد على ذلك فشل السياسة المائية وسوء تدبير إستراتيجية المخطط الأخضر . 

واقع الحال يتحدث أيضا بمرارة عن أرقام صادمة، فعلى مستوى مؤشر الأمن الغذائي، تراجع المغرب بثلاث درجات، إذ حل في الرتبة 57 عالميا من بين 113 دولة شملها المؤشر، وحاز الرتبة 12 ضمن بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ومن المؤسف جدا، أن بلدا فلاحيا، يخطو بثبات في بعض القطاعات الصناعية، ويتوفر على ثروات معدنية وبحرية، لم تتجاوز حصة الفرد فيه من الناتج المحلي الإجمالي  8,338 آلاف دولار سنويا، علما أن الأردن والعراق تجاوزا المغرب  بحصة على التوالي 10,821 محتلا المرتبة العاشرة عربيا و العراق بنصيب 10,415 ، وهذا الفارق طبعا يدعو المهتمين  إلى التساؤل حول أسباب ركود الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالبلاد.   

حتى القطاع السياحي الذي يعتبر المصدر الأساسي لموارد خزينة الدولة من حيث العملة الصعبة والضرائب و رافعة لازدهار النشاط الاقتصادي المحلي والوطني، فقد تراجع، حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، بأربعة مراكز مقارنة مع 2020، ولم يحل إلا  في المرتبة 71 عالميا من أصل 117 دولة في مؤشر السياحة والسفر لعام 2021.

وعلى المستوى الإفريقي، يبذل المغرب مجهودات جبارة إقليميا وقاريا من خلال تقوية شراكة التعاون جنوب جنوب، لكن لم يتقدم نحو الصفوف الثلاثة الأولى، حيث بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي في 2020 نحو 112.8 مليار دولار، واضعا إياه في المرتبة الخامسة، علما أن نيجيريا هي التي تتصدر قائمة أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، إذ بلغ حجم ناتجها المحلي الإجمالي 432.3 مليار دولار خلال عام 2020 – 2021.

من جهة أخرى، تعثر المغرب في قطاعات اخرى حيوية. فقد ساهم تدني ترتيب المغرب في قطاعات الصحة والتعليم وكفاءة أسواق العمل في تراجع تصنيفه في تقرير التنافسية العالمي، وحل بالمرتبة 71 بين 137 دولة على المستوى العالمي، بعد أن سجل المرتبة 70 في التصنيف السابق، وحل ثامنا على المستوى العربي، بحسب تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي 2017-2018.
 
أليس هذه الأسباب وأخرى ناجمة عن الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الأساسية وأسعار البنزين، وما خلفه من ردود فعل قوية من طرف الرأي العام، في غياب تام لحلول حكومية موضوعية، وفي غياب تواصل جريء وواضح مع الرأي العام، وفي ظل الجمود الذي طبع العمل التشريعي، أليس كل هذه المؤشرات والعوامل تدعو كل غيور على هذا الوطن إلى الوقوف وقفة تأمل للخروج من طابع الارتجالية ووضع حد للقرارات العشوائية، وبعبارة رجال القانون العام، أليس البلاد على عجل، لكي تتدخل المؤسسة الملكية للإعلان عن حالة الاستثناء.

 قد يكون هذا الإعلان الثاني من نوعه ، بعد أن اتخذ نظيره  الملك الراحل الحسن الثاني في السابع من شهر يونيو سنة 1965 وامتدت حالة الاستثناء إلى منتصف سنة 1970، حيث مارس خلالها الوظيفة التشريعية محل البرلمان على نطاق واسع، ثم صدرت عدة مراسيم ملكية، بلغت 106 مرسوما، شملت كل المجالات باستثناء القضاء الذي ظل مستقلا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية خلال هذه المرحلة.

مهما اختلف الزمن وتباينت الأسباب،  يتراءى للمتأمل أن الشروط المشار إليها في دستور 2011، لا يمكنها أن تقيد تقدير رئيس الدولة في مسألة إعلان الاستثناء من عدمه، ليس فقط لأسباب سياسية واجتماعية ولكن أيضا لأسباب اقتصادية قد تزعزع الاستقرار الداخلي. والإعلان عن ذلك يعود إلى رئيس الدولة وحده وبكل حرية، حيث تمنحه حالة الاستثناء صلاحية حل الحكومة والبرلمان بغرفتيه، حيث يجمع معظم فقهاء القانون العام على لا محدودية نطاق الإجراءات الاستثنائية، لا في المجال التشريعي و لا في المجالات الأخرى، أي أن من حق رئيس الدولة أن يمارس السلطتين التشريعية و التنفيذية.

ماذا إذن بعد الإعلان عن حالة الاستثناء وحل الحكومة والبرلمان؟ يتفق الجميع، على أن حالة الاستثناء ستمنح فرصة حقيقية للأحزاب الوطنية لإعادة النظر في هياكلها وتنظيماتها وايديولوجيات بعضا منها، وبناء أقطاب سياسية  مدعوة طبقا لمبادئ  الديمقراطية المشاركة في انتخابات تشريعية نزيهة وشفافة في أفق 2025.

 ذلك لا يكتمل إلا بوضع شروط طالما طالبت بها فعاليات سياسية وحقوقية. فإذا كان الاختلاف حول نمط الاقتراع وتقسيم الدوائر الانتخابية و القاسم الانتخابي واللائحة الوطنية، فهناك إجماع نسبي حول شروط يجب على الأحزاب السياسية التقيد بها قبل تزكية المرشحين للانتخابات التشريعية. ويخص الذكر أولا نظافة المرشح قضائيا، وتوفره ثانيا على مستوى دراسي على الأقل ثانوي، وثالثا أن يسبق له أن حصل على عضوية في الجماعات أو الغرف المهنية وأخيرا عدم الجمع بين السلطة والجاه.

في الأخير، لا يسع القول إلا أن المغرب في أمس الحاجة إلى كفاءة أبناء الوطن، وإلى أحزاب قوية قادرة على مواكبة المرحلة تحت القيادة الحكيمة للملك محمد السادس الحكيم في توجهاته والساهر على أمن وسلامة المواطنين ووحدة الوطن.
عبد المجيد الحمداوي

اقرأ أيضا

الإشتراك
إخطار
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات

أخبار اليوم

صوت و صورة

الندوة الصحفية للسيد الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس - الخميس 16 مارس 2023

ها علاش..20 برلماني باغي نواة جامعية فـ تاونات

المجلس الجماعي للقنيطرة أي حصيلة بعد سنة من التدبير

طبيب المنتخب المغربي يكشف عن الحالة الصحية للاعبين