في حوار خاص لـ”برلمان نيوز” مع حكيمة الحيطي الخبيرة الدولية في الماء والمناخ

-حان الوقت لتحيين برامج المشاريع المائية وإعادة النظر في السياسة الفلاحية 

-تداعيات التغيرات المناخية لا تحتاج إلى تأشيرة لعبور الحدود

برلمان نيوز: أبو حمزة الحياني

أجرت جريدة برلمان نيوز حوارا مع السيدة حكيمة الحيطي الخبيرة الدولية في الماء والمناخ حول إشكالية التغيرات المناخية وتداعياتها على المجال الماء والطاقة والأمن الغذائي على المستوى العالمي بصفة عامة وإفريقيا والمغرب بصفة خاصة. وتطرقت الوزيرة المكلفة بالبيئة سابقا بالمناسبة إلى أهم توصيات الخبراء الدوليين. كما تناولت الخبيرة الدولية علاقة السياسة الفلاحية الوطنية بالماء، من خلال تقييم صريح وواضح للمخطط الأخضر.

وفي ما يلي الحوار الكامل:  

س: في أي سياق يمكن وضع إشكالية التغيرات المناخية؟

ج: إشكالية المناخ والسياسة المائية، موضوع متشعب ذي بعد جيو استراتيجي وسياسي، والحديث عن تداعياته على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يأتي في سياق دولي صاخب له أثر واضح على الاستراتيجية المائية والطاقية والأمن الغذائي بالعالم، إفريقيا والمغرب بصفة خاصة.

ويجب التذكير، أن في سنة 2015، وحسب نتائج  دراسات علمية حول التنوع البيولوجي، تنبأ الخبراء بقدوم الوباء الذي ضرب العالم فجأة في بداية سنة 2019، و زاد الوضع تأزما اقتصاديا واجتماعيا، عند اندلاع الحرب الطاحنة بين خزانين عالميين للأسمدة والحبوب والطاقات الأحفورية، أي بين روسيا و أوكرانيا، وكل هذه العوامل تسببت في أزمة خانقة على مستوى الأمن الطاقي والغذائي، نتج عنه ارتفاع الأسعار وتفاقم المجاعة من جراء حدة التغيرات المناخية.

س: هل يمكن أن تتحدثي لنا عن العمل الذي قام به الخبراء الدوليين وخلاصات التقارير الصادرة؟

ج: فعلا، اشتغل حوالي 267 خبير دولي يمثلون القارات الخمس، وذلك لمدة 4 سنوات على محور التغيرات المناخية، و في فبراير 2022 ، انكبوا على إخراج خلاصات صادمة، تدق ناقوس الخطر، لكن هذه التوصيات لم تحرك ساكنا لا على مستوى السياسيين ولا على مستوى وسائل الإعلام، الذين كانوا وما زلن منهمكين حينها بقضايا آنية واستعجالية تخص تداعيات الحرب وتدبير أزمة الوباء الاجتماعية والاقتصادية.

من بين هذه الخلاصات، أن نسبة تزايد وتيرة تأثيرات التغيرات المناخية، لم يسبق أن عرفها تاريخ الإنسانية جمعاء، كان لها انعكاس سلبي على كل دول العالم، حيث هذه الدول المتضررة، ستكون مجبرة على تحمل فاتورة الأزمة، لمواجهة آثار التغيرات المناخية، منها الجفاف، ناهيك عن الكوارث الأخرى التي ستكون لها تداعيات صادمة وخطيرة على الدول النامية و المتقدمة على السواء. ومهما كانت التدابير المتخذة، فبعض تداعيات التغيرات المناخية، لا مفر من تأثيراتها وتداعياتها إلا بعد مرور عشرين سنة.

من المعلوم أيضا، أن ارتفاع درجة الحرارة، ينجم عنه ذوبان الثلوج في عدة مناطق، ومن جهة أخرى فالفيضانات في هذه الحالات، ليست بحوادث استثنائية، بل مرحلية، وما علينا إلا إلقاء نظرة على الكوارث التي تعرفها السنة الحالية، من حرائق وفيضانات وأحيانا في منطقة واحدة كما هو الشأن بالنسبة لكاليفورنيا. 

من بين الخلاصات الأخرى، أن مستوى البحر سيعرف ارتفاعا على المستوى العالمي من 0.1 إلى 0.6 في أفق سنة 2030، وإذا وصل الارتفاع إلى متر واحد، ” في حالة إذا بقي الحال على ما عليه” فإن ذلك سيشكل خطرا كبيرا على بعض المدن الساحلية، أي فقد تتعرض عشرات الجزر وعشرات المدن الكبرى على المستوى العالمي إلى الاتلاف. 

س: أين موقع القارة الأفريقية من هذه الدراسات العلمية؟

ج: حسب نفس التقرير الدولي، منذ حوالي 2000 سنة مرت، لم يعرف العالم مثل درجة الاحتباس الحراري الذي يشكو منه العالم اليوم، أي أن 3,5 مليار نسمة من ساكنة العالم ستكون مهددة بنقص حاد في الماء على المستوى العالمي و 350 مليون نسمة في أفريقيا، كما خلصت تقديرات الأمم المتحدة، إلى أن الطلب على الماء سيفوق العرض في أفق 2030، بنسبة  40%، الشيء الذي سيؤدي إلى تهديد الأمن المائي والطاقي والغذائي،  ويؤدي إلى هجرة مكثفة على المستوى الإفريقي الذي قد تصل إلى 250 مليون مهاجر في أفق 2050. وكما يعلم الجميع أن عدم استقرار سكان إفريقيا في أوطانهم قد يشكل خطورة كبيرة على إفريقيا وأوروبا والعالم بصفة عامة. 

فإذا كانت نسبة 85% من ساكنة العالم تقطن مناطق جافة، فإن 50% منها تعتبر من أفقر الدول في العالم، يوجد معظمها للأسف في أغنى منطقة وهي القارة الأفريقية، التي ارتفع النقص في الماء فيها بمعدل 60%.

س: في رأيكم ما هي أسباب تفاقم هذا الوضع؟

ج: دائما وحسب نفس التقرير، ارتفع ثاني أوكسيد الكربون إلى بطريقة مستمرة منذ اتفاقية باريس للمناخ وستعرف هذه العشرية ارتفاعا بنسبة 14 %، وهذا ما سيضع العالم في وضعية صعبة، ترغمه على مدى العشرين سنة القادمة تحمل الكلفة الباهظة بسبب تداعيات التغيرات المناخية. ومرد هذه الحالة الكارثية عدم احترام الدول الملوثة  بالالتزامات الصادرة عن قمة الأطراف كوب 21 بباريس، حيث أن نفس الدول لازالت تدعم الطاقات الاحفورية بما يقدر ب 600 مليار دولار سنويا، ولازالت بعض الدول في أوروبا على إثر الحرب الروسية الأكرانية تؤدي ما يقارب 400 مليون دولار يوميا لسد حاجياتها من الغاز، والنتيجة هي أن البشرية جمعاء تؤدي ثمن عدم أجرأت ميثاق باريس. والملاحظ اليوم، أن بسبب الحرب، عادت دول أوروبية من جديد  إلى فتح معامل تستعمل الطاقة الاحفورية ” الفحم” ، في وقت لم تتمكن هذه الدول العودة إلى فتح المعامل التي تستعمل الطاقة النووية، لأن آلياتها تلاشت خلال مدة إقفالها، وأصبحت غير صالحة. والخلاصة أن هذه الحرب غير مجدية في الوقت الذي نجد أن حياة البشرية مهددة بصفة عامة.

س: إذن ما هي في نظركم الحلول البديلة بالنسبة للمغرب وإفريقيا على السواء للحد من مشكل الأمن المائي والغذائية؟ 

ج: للجواب على هذا السؤال، لا بد أولا  التذكير على أن كل طن من الاوكسيد كاربون زائد أو ناقص في أي مكان في العالم مثلا، له تداعيات مباشرة إما سلبية أو إيجابية على باقي الدول بما فيها القارة الإفريقية والمغرب بصفة خاصة. لأن تداعيات التغيرات المناخية وتأثيراتها لا تحتاج إلى تأشيرة عبور الحدود.  والملاحظ أنه بسبب آثار التغيرات المناخية، وقع تراجع واضح في كمية الماء المخصصة لكل نسمة، وإذا كانت هذه الكمية في المغرب تقدر ب 2500 متر مكعب لكل نسمة، سنة 1960، فقد تراجعت اليوم إلى 500 متر مكعب. وبناء على تقرير للأمم المتحدة، فإن العالم بما فيه المغرب، سيعرف نقصا حادا في الماء بنسبة 80% خلال ال25  سنة القادمة.

أما بالنسبة للحلول أو طرق التعامل مع الماء بمنظور شمولي والذي طبعا له علاقة مباشرة مع عدة قطاعات مثل الفلاحة الطاقة الكهربائية والسياحة والصحة  وغيرها، أذكر فقط على أننا كمغاربة كنا ولا زلنا فخورين بالسياسة الوطنية المائية على الصعيد الافريقي والعالم العربي. لكن حان الوقت تحيينها على إثر مستجدات تداعيات التغيرات المناخية. الشيء الذي يتطلب إعادة النظر في برمجة المشاريع المائية بناء على دراسة هيدرولوجية ومناخية دقيقة أي “لا فائدة من بناء سد بدون ماء”. كما حان الوقت أيضا للتعجيل بتنزيل قانون الماء الذي جاء باقتراحات إدماج المياه غير المعتادة ” مياه البحر، والمالحة والعادمة ” في منظومة السياسة الفلاحية والسياحية و المائية للبلاد. كما يجب إدماج الطاقات المتجددة في مصانع تنقية الماء الصالح للشرب، وضخ المياه من الآبار.

س: يجري الحديث عن استنزاف كميات هائلة من الماء من طرف القطاع الفلاحي. ما هي الأسباب في نظركم؟

ج: الكل يعلم أن القطاع الفلاحي بالمغرب يلعب دورا مهما في تنمية الاقتصاد الوطني، حيث أن القطاع يساهم ما بين 12% و20% في الإنتاج الداخلي الخام ويخلق فرصا للشغل ليد عاملة مهمة، كما يساهم في جلب العملة الصعبة، لكنه يبقى دائما رهين التغيرات المناخية. إلا أن المغرب الذي صرف على المخطط الأخضر، ما قدره  107 مليار درهم، لسقي سوى 10% من الأراضي الفلاحية، مطالب اليوم بإدماج المياه المحلاة والمياه العادمة المطهرة في القطاع الفلاحي وصيانة قنوات الري.

س: هل هذا يعني أن القطاع الفلاحي فشل في تدبير المنظومة المائية؟

ج: لابد من التأكيد أيضا، أنه على غرار تحيين البرامج المائية الحكومية، يجب أيضا تحيين السياسة الفلاحية ببلادنا: فعلى مستوى اقتصاد الماء، نجد أن معدل استهلاك الماء في القطاع الفلاحي بالمغرب وصل إلى 85 %، بينما المعدل العالمي لا يتجاوز 70 %، وهذا ما يفسر أن هناك تبذير و هدر المياه الذي يقدر ب 40 في المئة من الاستهلاك الفلاحي. وغياب الرؤية الواضحة في استراتيجية تثمين الثروة المائية. فإدماج الكلفة الحقيقية للماء في المنتوج الفلاحي وتعميم العقود في الأحواض المائية للاستغلال التشاركي للماء على الصعيد الوطني والجهوي سيمكن الجهات المسؤولة وضع الأولويات والاهتمام بتدبير النزاعات القطاعية حول الماء.

لقد أصبح ضروريا في ظل الظروف الراهنة الصعبة، الاستمرار في سياسة استعمال وسائل وتقنيات تحلية مياه البحر وتنقية المياه العادمة باستعمال الطاقة الشمسية أو الهيدروجين وليس بالطاقة الأحفورية كما هو الحال في بعض الدول، كل هذا سيعطي الأولوية لتخزين الماء بدل التفكير أكثر في تخزين الطاقة المتجددة. كما حان الوقت أيضا للتفكير بعد النقص الحاصل في مخزون الحبوب بأوكرانيا، الحفاظ على الإنتاج الفلاحي بأقل ضرر.

في الختام ضروري من إدماج السياسة الطاقية والمائية والفلاحية في منظومة شمولية من أجل تحقيق إنتاج أفضل، وبما أن المغرب وإفريقيا ليستا بضيعة منعزلة، فمن الضروري أن المغرب تحت الريادة لصاحب الجلالة الذي كان دائما سباقا لوضع السياسات المائية والفلاحية والطاقية الناجعة، لابد أن يلعب الدور الريادي على الصعيد الإفريقي للضغط على الدول الملوثة للتخفيض من ثاني أوكسيد الكاربون وتنزيل ميثاق باريس للحد من تأثيرات التلوث على إفريقيا التي لا تتوفر على الإمكانيات الكافية لأداء كلفة التغيرات المناخية. 

اقرأ أيضا

الإشتراك
إخطار
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات

أخبار اليوم

صوت و صورة

الندوة الصحفية للسيد الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس - الخميس 16 مارس 2023

ها علاش..20 برلماني باغي نواة جامعية فـ تاونات

المجلس الجماعي للقنيطرة أي حصيلة بعد سنة من التدبير

طبيب المنتخب المغربي يكشف عن الحالة الصحية للاعبين