اختلاف في الرأي حول طب الأسرة بالمغرب

اختلاف في الرأي حول طب الأسرة بالمغرب

برلمان نيوز : خاص

حمضي يعتبر النقاش عقيما وعفيف يؤيد طب القرب بشروط والتايب يرفض إقصاء الاختصاصيين

برلمان نيوز: من إعداد عبد المجيد الحمداوي 

يشكل موضوع اعتماد طبيب الأسرة ووضعية المنظومة الصحية محور أبرز النقاش الدائر بين الوزارة الوصية ونواب الأمة والجمعيات والنقابات الممثلة في القطاع الصحي ببلادنا.

والملاحظ أن من مساوئ النظام الصحي ببلادنا الذي فجرته سنوات الوباء هو التخبط الذي عاش فيه القطاع جراء اعتماده على سياسات صحية تركز على المستشفيات فقط، في حين، هناك دول في أمريكا وأوروبا رائدة في مجال الصحة، استدركت هذا الأمر منذ خمسينات القرن الماضي، واعتمدت نظام يرتكز على العلاجات الصحية الأولية وطب الأسرة.

*نحو تعميم طب الأسرة بالتدرج

فأثناء تقديمه للبرنامج الحكومي بالبرلمان، أكد رئيس الحكومة على الالتزام بتعزيز ميزانية قطاع الصحة خلال الولاية الحكومية، وتشمل العناصر الأساسية لإصلاح منظومة الصحة، تعميم طب الأسرة على نحو تدريجي.

أما وزير الصحة والحماية الاجتماعية في معرض رده بالبرلمان، قال إن طب الأسرة أعطى نتائج جد إيجابية على المستوى الدولي، مبرزا أن هذا النظام يوفر تماسكا اجتماعيا للأسرة يجسد سياسة القرب، وهو الأمر الذي يساهم في تقليص الاكتظاظ المسجل في المستشفيات. 

وفي انتظار مناقشة مشروع قانون الإطار بالبرلمان خلال الدخول السياسي المقبل، ومن ضمنه المادة 12 التي تنص على إجبار المريض اختيار الطبيب العام، ونظرا لأهمية موضوع طب الأسرة، اتصلت “برلمان نيوز” بأطباء مهتمين و مختصين من مجال الطب العام والخاص قصد استقراء آرائهم في الموضوع. وبينما يؤكد الدكتور حمضي على أن المغرب لا مفر له من طبيب الأسرة، و الدكتور عفيف يؤيد ربط المنظومة الصحية بطبيب القرب وبشروط، فإن الدكتور التايب يرفض رفضا قاطعا وبدون شروط قبول اعتماد طبيب الأسرة بالمغرب.   

*طب القرب أهم من الجدل القائم الآن

في هذا السياق، صرح  الدكتور الطيب حمضي رئيس النقابة الوطنية للطب العام بالمغرب، لموقع جريدة” برلمان نيوز، أن النقاش الدائر اليوم عن طب الأسرة وأهمية طب القرب، نقاش سبق للمؤتمر الدولي أن حسم فيه سنة 1978، برعاية المنظمة العالمية للصحة، وتم التأكيد فيه على أهمية العلاجات الأولية في المنظومة الصحية.

وأضاف الدكتور حمضي، أن المكانة التي يحظى به طب القرب في المجتمع، أهم بكثير اليوم من الجدل القائم حول الموضوع، موضحا أن المنظمة العالمية والبنك الدولي واليونسيف ومختلف السلط الصحية في العالم أجمعوا حول ” أن بناء المنظومة الصحية لا يمكن أن يستقيم دون طب القرب والوقاية”. 

وحسب نفس المتحدث، فقد اتضح بعد سنوات من تطور الطب والتكنولوجيا، أنه رغم صرف الملايير الدولارات على المنظومة الصحية وإدخال آخر التقنيات في العالم، تبقى الوقاية في آخر المطاف أحسن من العلاج. واستطرد قائلا: ” فحسب تقرير للمنظمة العالمية للصحة، فإن المجتمعات تسير نحو الشيخوخة، حيث انتقل معدل الحياة إلى أكثر من ثمانين سنة، في نفس الوقت، انتقلت المجتمعات من الأمراض التعفنية التي تحتاج إلى علاج في أمد قصير، إلى أمراض مزمنة مكلفة ( السكر، الضغط الدموي…)، تحتاج إلى تدخلات عاجلة، قبل أن يدخل المريض في مراحل خطيرة، تتطلب تكاليف باهظة للعلاج.”

وحول أهمية طب القرب، قال الدكتور حمضي، إن اليوم من الصعب جدا الحديث عن عدم أهمية طب القرب، في وقت كانت التوجيهات الملكية قبل وباء كوفيد، واضحة، ومن بينها ما جاء في الرسالة الملكية السامية الموجهة لمؤتمر الصحة العالمية، والذي اختار الاحتفال بالعلاجات الأولية في المغرب، كل هذه المعطيات تؤكد مدى أهمية طب القرب.

*الثقة بين المريض والطبيب هي الأساس

من جانبه كشف الدكتور سعيد عفيف، رئيس التجمع. النقابي الوطني للأطباء الاختصاصيين في تصريح خاص بموقع” برلمان نيوز” أن الأهم في تناول موضوع طب الأسرة هو أولا وقبل كل شيء، الحفاظ على الثقة القائمة بين المريض والطبيب وحماية سمعة هذا الأخير، مبرزا أن من أولويات أخلاقيات المهنة، هو الحرص على احترام حرية المريض في اختيار طبيبه المعالج من الطب العام أو طب الاختصاص، والأساس في هذه المعادلة هو أن يكون الطبيب أحسن موجها للمريض.

وارتباطا بالموضوع، شدد الدكتور عفيف على ضرورة اختيار نموذج مغربي لطب الأسرة في إطار هيكلة قطاع الصحة طبقا للقانون الإطار رقم 06-22  المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية قانون الذي تم المصادقة عليه في المجلس الوزاري.

وفي السياق ذاته، أوضح رئيس التجمع النقابي، أن الاستعداد الجيد لسنة 2023 يستلزم تنزيل عدالة صحية مجالية جهوية تضمن الولوج المتكافئ لكافة المواطنين للخدمات الصحية، معتبرا أن المنظومة الصحية لا يمكن لها أن ترقى إلى المستوى المطلوب، إلا في إطار شراكة بين القطاعين الخاص والعام، مبنية على الوضوح والشفافية، والعمل على تقويتها وتطويرها في مختلف المجالات الصحية بما يساهم في خدمة الصحة، استجابة لانتظارات المواطنين.

*الاعتناء بوضعية طب الاختصاص أولا

أما الدكتور عبد الله التائب المنتخب حديثا رئيسا للنقابة الوطنية لأطباء الجهاز التنفسي بالقطاع الخاص بالمغرب، أوضح في تصريح ل” برلمان نيوز”، أن  مشروع طب الأسرة الذي نحن بصدد الحديث عنه في المغرب، قد تم اعتماده قبل ذلك في أوروبا، خصوصا بعد أن أصاب الافلاس صناديق التغطية الصحية، وحيث وكما يعلم الجميع، فإن تكوين الطبيب الاختصاصي يكلف الدولة أكثر من تكوين لطبيب العام، مضيفا أن اعتماد طبيب العائلة في أوروبا نابعة من  ثقافة مجتمعية، في حين أن المغرب لا يشكو اليوم من خصاص على مستوى صناديق التغطية الصحية لكي يلجأ إلى مسلك طبيب الأسرة.

وعن الأزمة التي يمر منها الاختصاصيين في القطاع الخاص، شدد الدكتور التايب على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الظرفية الصعبة التي تجتاح مهنة الطب الخاص، والتي بالرغم من ضعف مداخيلها، فإنها مجبرة على المساهمة في التأمين الصحي تفوق قيمة ما يؤديه المهندس والموثق على سبيل المثال، كما شدد على ضرورة الحرص على تحسين التغطية الصحية للأطباء في القطاع الخاص، والتي لم تر النور إلا في يناير 2022 بعد مرور 18 سنة على المطالبة بها.

*لا منظومة صحية بدون طب القرب

أما بخصوص، قبول أو رفض الأطباء الاختصاصيين لطب الأسرة، فقد أكد الدكتور حمضي على أن نقابة الاطباء العام والخاص وجمعيات المصحات يرفضون منظومة صحية غير مبنية على طب القرب، مذكرا أنه وبموازاة مع أن طب الأسرة أصبح أمرا مجتمعيا، فإن صناديق التأمين تشترط تربية صحية للمواطن قبل أن يجد نفسه في صراع مع مرض مزمن.

وفي نفس السياق، اعتبر الدكتور حمضي أن طب الأسرة مطلب عام، في مصلحة المريض، ثم المنظومة الصحية من جهة وفي مصلحة التخفيف من عبء تمويل المنظومة الصحية من جهة أخرى، موضحا أن هناك تبذير أموال طائلة في المنظومة الصحية لكن بنتائج ضعيفة، لكن إذا كان هناك اهتمام بالوقاية، فقد يعود ذلك بربح في المال وصحة الانسان.

أما بخصوص تنظيم مسار العلاج، أوضح رئيس النقابة للطب العام، أن واقع الحال يحتم على المريض أن يكون له طبيبا للأسرة، من أجل النصيحة أولا وثانيا حتى لا يتيه بين الأطباء، وهذا الإجراء سيوفر المال بالنسبة لصناديق التأمين، كما سيمكن الأطباء الاختصاصيين من ربح الوقت، علما أن عددهم قليل. وخلص الدكتور حمضي، إلى أن هذه المنظومة لا تستدعي إطلاقا طرح السؤال، هل هي في صالح الطب العام أو طب الاختصاص، بل هو مطلب ضروري لا يضر أحدا، وهو ورش ملكي لابد من إنجاحه، ولا يمكن أيضا أن نفصل المنظومة الصحية على مقاس رغبات بعض الأطباء، بل يجب وضع منظومة صحية وفق ما يطلبه المجتمع.

*هذه هي شروط إنجاح طب القرب

أما الدكتور عفيف، فقد عزا أسباب أهمية طب الأسرة، إلى التكلفة الباهظة التي يتحملها المريض، ويشترط أن يتم حساب التعويضات بناء على التكلفة الحقيقية، مضيفا أنه لا يعقل أن يدفع المريض أكثر من 54% من تكلفة الفحوصات والباقي يدفعه من ماله الخاص دون التعويض عنها. وتوضيحا منه بأهمية طب الأسرة، أضاف قائلا:” إن صرف درهم واحد في الحالة الاستباقية يعادل 8 درهم في العلاج”.

وحول كيفية إنجاح مشروع طبيب الأسرة، أكد رئيس التجمع الوطني للأطباء الاختصاصيين، على ضرورة احترام قانون 65.00 المتعلق بتنظيم التغطية الصحية الأساسية التي يديرها الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، مع اعتماد نظام الرقمنة في عملية تدبير ملفات المريض ومنع دفع الشيك المسبق، ومعاقبة كل مخالف لذلك، مع تعويض الطبيب على الخدمة التي يقدمها وذلك من خلال إعادة تقييم الجهود التي يبذلها جميع المهنيين.

وفي الأخير، ناشد الدكتور عفيف مختلف الجهات المعنية باعتماد حوار تشاركي فعال، بدل الخوض في نقاش عقيم حول طبيب الأسرة أو الطبيب المعالج، وهذا الأخير مطالب باحترام البروتوكولات العلاجية لتجنب المواطن من الأمراض المزمنة التي تكلف أكثر صناديق التعويضات عن المرض. 

*هذه هي أسباب رفض طبيب الأسرة

عكس رأي سابقيه المؤيد لطب الأسرة، يرفض رئيس النقابة الوطنية لأطباء الجهاز التنفسي بالقطاع الخاص، رفضا قاطعا ما يسمى بطب الأسرة ويعترض على أي شروط لقبول ذلك، معللا رفضه، أنه لا يقبل أن يفرض على المريض زيارة الطبيب العام قبل اللجوء للاختصاصي، وهذا في حد ذاته ضرب في حرية اختيار المريض للطبيب، عكس ما هو قائم في أوروبا، حيث أن المريض له الحق في اختيار طبيب عام أو اختصاصي.

وصلة بالموضوع، استطرد الدكتور التايب قائلا: ” إن طب الأسرة هو اختصاص يدرس في كليات المستشفيات الجامعية، محصور فقط على طلبة الطب العام، وهو أمر يجب إعادة النظر فيه، لأن المتخصصين الطبيين هم أكثر ضرورة لذلك”. وقبل الحديث عن طب القرب، يضيف نفس المتحدث، “حان الوقت لتخفيض الضرائب على الطبيب في القطاع الخاص من 38 إلى 25% وتسهيل عملية انخراطه في الضمان الاجتماعي”.

*التجارب الدولية تثبت أهمية طب الأسرة
 
تجدر الاشارة، أن اعتماد طبيب الأسرة ووضعية المنظومة الصحية بالمملكة، شكل دائما أبرز المواضيع التي تم تناولها خلال جلسات الأسئلة الشفهية بمجلسي النواب والمستشارين. وقد أكد عدد من نواب الأمة على أهمية طبيب الأسرة الذي يقوم بتتبع الأسرة طيلة فترة حياة أفرادها، كما يساهم في تقليص العديد من العراقيل مثل الاكتظاظ في المستشفيات ولدى المتخصصين.

من جهة أخرى، أكد ثلة من الخبراء والباحثين والأطباء المغاربة والأجانب في المؤتمر الثالث لجمعية المجموعة العلمية لطب الأسرة الذي انعقد في موجودة سنة 2021،  تحت شعار “طب الأسرة من التكوين إلى التطبيق”، على أن الطبيب العام مدعو لأن يكون ملما بكافة المجالات بهدف الاستجابة لطلبات المرضى ، إضافة الى أنه يجب أن يكون قادرا على فهم المشاكل الصحية التي يعانون منها، وخلصوا إلى أن أطباء الأسرة الذين استفادوا من التكوين المستمر، يتوفرون حاليا على الكفاءات والمعارف الضرورية للتكفل بالمرضى كما هو شأن الأطباء المتخصصين.

اقرأ أيضا

الإشتراك
إخطار
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات

أخبار اليوم

صوت و صورة

لحظة إصابة ترامب وسقوطه على الارض ثم نهوضه |محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي ترامب

بايتاس: مخطط المغرب الأخضر، تعرض للكثير من الافتراء وكان موضوع مزايدات.

أخنوش: الحكومة تتعهد بتنفيذ المشروع الملكي الكبير لدعم الإسكان بشفافية ومرونة

رئيس الحكومة السيد أخنوش يتحدث عن جهود التعاون في مواجهة أزمة الزلزال